السيد علي عاشور
42
موسوعة أهل البيت ( ع )
فلما نزلنا زبالة « 1 » ، إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة « 2 » يريد أن يستقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر ، وأنا أنظر إليه فرأيته قد رمق السماء وسمعته يقول : أنت ربي إذا ظمئت إلى الماء * وقوتي إذا أردت الطعاما اللهم سيدي مالي سواها فلا تحرمنيها « 3 » . قال شقيق : فوالله لقد رأيت البئر وقد إرتفع ماؤها ، فمدّ يده فأخذ الركوة وملأها ماء فتوضّأ وصلى أربع ركعات ، ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحركه ويشرب . فأقبلت إليه وسلمت عليه فردّ عليّ السلام فقلت : أطعمني من فضل ما أنعم اللّه به عليك . فقال : يا شقيق لم تزل نعمه علينا ظاهرة وباطنة ، فأحسن ظنّك بربك . ثم ناولني الركوة فشربت منها ، فإذا هو سويق وسكر فوالله ما شربت قط ألذّ منه ، ولا أطيب ريحا ، فشبعت ورويت وأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا ثم لم أره حتى دخلنا مكة ، فرأيته ليلة إلى جنب قبة الشراب في نصف الليل قائما يصلي بخضوع وأنين وبكاء ، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل ، فلما رأى الفجر جلس في مصلاه يسبح ثم قام فصلى الغداة ، وطاف بالبيت أسبوعا وخرج ، فتبعته وإذا له حاشية وموال ، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق ، ودار به الناس من حوله يسلّمون عليه فقلت لبعض من يقرب منه : من هذا الفتى ؟ فقال : هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . فقلت : قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلّا لمثل هذا السيد . ولقد نظم بعض المتقدمين واقعة شقيق معه في أبيات طويلة إقتصرت على ذكر بعضها فقال : سل شقيق البلخي عنه وما شاهد * منه وما الذي كان أبصر قال لمّا حججت « 4 » عاينت شخصا * شاحب اللون ناحل الجسم أسمر سائرا وحده وليس له زاد * فما زلت دائما أتفكر وتوهمت أنّه يسأل الناس * ولم أدر أنّه الحج الأكبر ثم عاينته ونحن نزول * دون قيد على الكثيب الأحمر يضع الرمل في الإناء ويشربه * فناديته وعقلي محير
--> ( 1 ) زبالة : بضم أوله : منزل معرف بطريق مكة من الكوفة ، وهي قرية عامرة بين واقصة والثعلبية وسميت زبالة بزبلها الماء أي بضبطها له وأخذها منه . معجم البلدان 3 : 129 . ( 2 ) الركوة : تشبه تور من أدم . تهذيب اللغة : 10 / 350 . ( 3 ) في نسخة : تعدمنيها . ( 4 ) في نسخة : عجبت .